فخر الدين الرازي
109
تفسير الرازي
ثم قال : * ( أن تكون أمة هي أربى من أمة ) * أربى أي أكثر من ربا الشيء يربو إذا زاد ، وهذه الزيادة قد تكون في العدد وفي القوة وفي الشرف . قال مجاهد : كانوا يحالفون الحلفاء ثم يحدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك . وقوله : * ( أن تكون ) * معناه أنكم تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم بسبب أن تكون أمة أربى من أمة في العدد والقوة والشرف . فقوله : * ( تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ) * استفهام على سبيل الإنكار ، والمعنى : أتتخذون أيمانكم دخلاً بينكم بسبب أن أمة أزيد في القوة والكثرة من أمة أخرى . ثم قال تعالى : * ( إنما يبلوكم الله به ) * أي بما يأمركم وينهاكم ، وقد تقدم ذكر الأمر والنهي : * ( وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ) * فيتميز المحق من المبطل بما يظهر من درجات الثواب والعقاب ، والله أعلم . قوله تعالى * ( وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَلَتُسْالُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) * اعلم أنه تعالى لما كلف القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه ، أتبعه ببيان أنه تعالى قادر على أن يجمعهم على هذا الوفاء وعلى سائر أبواب الأيمان ، ولكنه سبحانه بحكم الإلهية يضل من يشاء ويهدي من يشاء . أما المعتزلة : فإنهم حملوا ذلك على الإلجاء ، أي لو أراد أن يلجئهم إلى الإيمان أو إلى الكفر لقدر عليه ، إلا أن ذلك يبطل التكليف ، فلا جرم ما ألجأهم إليه وفوض الأمر إلى اختيارهم في هذه التكاليف ، وأما قول أصحابنا فيه فهو ظاهر ، وهذه المناظرة قد تكررت مراراً كثيرة ، وروى الواحدي أن عزيراً قال : يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء ، فقال : يا عزيز أعرض عن هذا ، فأعاده ثانياً : فقال : أعرض عن هذا ، فأعاده ثالثاً ، فقال : أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوة . قالت المعتزلة : ومما يدل على أن المراد من هذه المشيئة مشيئة الإلجاء ، أنه تعالى قال بعده : * ( ولتسألن عما كنتم تعملون ) * فلو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عنها عبثاً ، والجواب عنه قد سبق مراراً ، والله أعلم .